
بقلم المحامي محمدالخليفة
لم تكن الفوضى التي ضربت سورية ولبنان، وما رافقها من اهتزازات عميقة في الأردن واستمرار الجرح الفلسطيني المفتوح، مجرد أزمات عابرة في سياق إقليمي مضطرب. ما حدث — وما يزال يحدث — هو انهيار تدريجي للنموذج السياسي الذي فُرض على المشرق العربي منذ أكثر من مئة عام.
نموذج الدولة القُطرية الهشّة، ذات الحدود المصطنعة، والوظائف الناقصة، والسيادة المنقوصة.ومع اقتراب المنطقة من لحظة مفصلية، تعود إلى الواجهة فكرة كانت تُعد حتى وقت قريب “محظورة” أو “رومانسية”:دمج سورية ولبنان والأردن وفلسطين في دولة واحدة تحمل اسم “الجمهورية الشامية”.
لكن هذه المرة، لا تعود الفكرة بوصفها حلمًا أيديولوجيًا، بل كخيار سياسي يفرضه الفشل المتراكم.
أولًا: نهاية الوهم… الدولة القُطرية في المشرقمنذ نهاية الحرب العالمية الأولى، وُلدت دول المشرق من رحم اتفاقيات استعمارية لم تُراعِ التاريخ ولا الجغرافيا ولا الواقع الاجتماعي. سايكس–بيكو لم تكن مجرد خط على خريطة، بل مشروع تفتيت طويل الأمد، هدفه منع نشوء قوة إقليمية حقيقية في قلب العالم العربي.
على مدى قرن تقريبًا، حاولت هذه الدول إثبات شرعيتها، لكنها فشلت في الإجابة عن سؤال أساسي:لماذا وُجدت؟ ولصالح من؟في سورية، تحولت الدولة إلى جهاز أمني، ثم إلى ساحة حرب مفتوحة لتصفية الحسابات الدولية.في لبنان، انهار النظام القائم على المحاصصة الطائفية، كاشفًا دولة بلا اقتصاد وبلا قرار.
في الأردن، استقرار هش يعتمد على المساعدات والضغوط الخارجية أكثر مما يعتمد على قوة داخلية ذاتية. في فلسطين، كيان منقوص السيادة، محاصر، ومجزأ، يعيش خارج منطق الدولة أصلًا.هذه ليست إخفاقات منفصلة، بل أعراض مرض واحد: نموذج سياسي غير قابل للحياة.ثانيًا: لماذا تعود فكرة الجمهورية الشامية الآن؟
الأفكار الكبرى لا تولد في أوقات الاستقرار، بل في لحظات الانهيار.وما يشهده المشرق اليوم هو انكشاف كامل لعجز الأنظمة القائمة عن إنتاج المستقبل.عودة الحديث عن الجمهورية الشامية لا تعني حنينًا إلى الماضي، بل اعترافًا بأن:الاقتصاد لا يمكن أن يعيش في كيانات صغيرة محاصرة.
الأمن لا يمكن ضمانه في دول ضعيفة مخترقة.السيادة لا تُبنى دون عمق جغرافي وبشري.القضية الفلسطينية لا يمكن حلها في عزلة.الجمهورية الشامية تُطرح اليوم كـ إعادة تركيب للمنطقة على أساس الواقعية السياسية، لا الأوهام القومية ولا التسويات المؤقتة.ثالثًا: بلاد الشام… وحدة التاريخ التي قاومت التقسيمقبل أن تكون مشروعًا سياسيًا، كانت بلاد الشام حقيقة تاريخية.
من دمشق إلى القدس، ومن بيروت إلى عمّان، تشكّل هذا الإقليم كوحدة اقتصادية وثقافية وبشرية واحدة عبر قرون.الأسواق كانت واحدة، طرق التجارة متصلة، العائلات ممتدة، واللهجات متقاربة، والوعي الجمعي مشترك.
حتى بعد التقسيم، لم تنجح الحدود في قطع هذا الترابط، بل ظل قائمًا رغم القمع السياسي ومحاولات العزل.الجمهورية الشامية ليست “خلق دولة جديدة”، بل إعادة توحيد ما فُكك بالقوة.رابعًا: شكل الدولة… لا مركزية، لا إقصاء، لا هيمنةأحد أهم أسباب فشل التجارب الوحدوية السابقة كان الخوف من المركزية والهيمنة.
أما الجمهورية الشامية، في تصورها الحديث، فلا تقوم على الإلغاء، بل على دولة مدنية حديثة، يمكن أن تكون اتحادية أو لامركزية موسعة.في هذا النموذج:لكل إقليم برلمانه المحلي وصلاحياته الإدارية.الدستور يقوم على المواطنة الكاملة، لا الطائفة ولا العشيرة.الجيش واحد، والسياسة الخارجية واحدة.التنوع يُدار بالقانون لا بالسلاح.إنها دولة ما بعد الطائفية، وما بعد الانقلابات، وما بعد الوصاية الخارجية.
خامسًا: فلسطين… من قضية إلى ركيزة دولةالتحول الأخطر — والأكثر جرأة — في مشروع الجمهورية الشامية هو نقل فلسطين من خانة “القضية” إلى خانة “الكيان المؤسس”.لم تعد فلسطين ملفًا تفاوضيًا، ولا ورقة ضغط، ولا شعارًا.بل تصبح إقليمًا كامل الحقوق داخل دولة سيادية كبرى.هذا التحول يغيّر كل المعادلات:الاحتلال لا يواجه كيانًا ضعيفًا، بل دولة ذات عمق استراتيجي.
الصراع يخرج من منطق “حل الدولتين المستحيل” إلى واقع سياسي جديد.الفلسطيني يصبح مواطنًا لا رهينة تسويات.إنها قطيعة كاملة مع عقود من إدارة الهزيمة.سادسًا: القوة الاقتصادية… شرط الاستقلال الحقيقياقتصاديًا، تمثل الجمهورية الشامية كتلة استراتيجية نادرة في الشرق الأوسط:موانئ على المتوسط.زراعة في الداخل السوري والأردني والفلسطيني.
موارد بشرية متعلمة.موقع جغرافي يربط آسيا بأوروبا.بدل أربع اقتصادات ضعيفة، تنشأ:سوق موحدة.عملة واحدة.سياسة صناعية وزراعية متكاملة.قدرة حقيقية على التفاوض مع العالم.الاستقلال السياسي لا يتحقق دون سيادة اقتصادية، وهذا ما تفتقده الدول الصغيرة.سابعًا: من سيُعارض؟ ولماذا؟من الطبيعي أن يواجه المشروع مقاومة عنيفة:قوى دولية تستفيد من التفتيت.
نخب محلية بنت سلطتها على الدولة القطرية.أنظمة تخشى فقدان السيطرة.خطاب تخويف طائفي متجذر.لكن التاريخ يعلّمنا أن كل مشروع تحرري كبير وُوجه بالرفض قبل أن يصبح واقعًا.السؤال ليس: من سيُعارض؟بل: هل تستطيع هذه القوى إيقاف مسار تاريخي إذا نضجت شروطه؟
ثامنًا: بين الحلم والضرورة التاريخيةقد يقول البعض إن الجمهورية الشامية حلم كبير، أو مغامرة خطرة.لكن ما هو الأخطر فعلًا:المخاطرة بتغيير جذري؟ أم الاستمرار في مسار أثبت فشله؟نحن أمام لحظة شبيهة بتلك التي أعقبت الحربين العالميتين، حين أُعيد رسم خرائط العالم.والفرق أن شعوب المشرق هذه المرة ليست مجرد ضحية، بل طرف يبحث عن خلاص.
خاتمة: حين تعود الجغرافيا لتكتب السياسةالجمهورية الشامية ليست وعدًا بالجنة، ولا حلًا سحريًا لكل الأزمات.لكنها قد تكون الإطار الوحيد القادر على إعادة بناء الدولة في المشرق من الأساس.وحين تسقط خرائط القرن العشرين، وتفشل أنظمة ما بعد الاستعمار، تعود الجغرافيا لتفرض منطقها، ويعود التاريخ لي