الجولان السوري… أرضٌ لا تُباع ولا تُؤجَّر ولا تُساوَم


الجولان السوري ليس مجرد مساحةٍ جغرافيةٍ اقتُطعت من جسد الوطن، بل هو جوهر السيادة، وعنوان الكرامة الوطنية، ورمز الصراع المفتوح بين الحق والاحتلال. هو أرض سورية خالصة، عربية الهوية والانتماء، لم تكن يومًا محل نقاش أو تفاوض، ولن تكون في أي وقت سلعةً تُباع أو تُؤجَّر أو تُقايَض تحت أي ظرف سياسي أو ضغط دولي. فالأوطان لا تُدار بمنطق الصفقات، والسيادة لا تخضع لقوانين السوق.

يقع الجولان في الجنوب الغربي من سوريا، ويتميّز بموقع استراتيجي بالغ الأهمية، جعله عبر التاريخ مطمعًا للقوى الطامعة. تلاله البركانية، وسهوله الخصبة، وموارده المائية الغنية، لم تكن فقط عناصر طبيعية، بل ركائز قوة وطنية واقتصادية وعسكرية. ولهذا، فإن احتلال الجولان عام 1967 لم يكن حدثًا عابرًا، بل عدوانًا مدروسًا استهدف الأرض والإنسان والهوية معًا.

غير أن الاحتلال، مهما طال أمده، لا يصنع حقًا، ولا يمنح شرعية. فالأرض التي تُغتصَب بالقوة تبقى مغتصبة، مهما تغيّرت الأسماء أو رُفعت الشعارات. حاول العدو عبر سياسات الضمّ والتهويد والاستيطان أن يفرض واقعًا زائفًا، لكن هذا الواقع اصطدم بحقيقة راسخة لا تقبل الجدل: الجولان سوري، وسيبقى سوريًا.

إن التأكيد على أن الجولان أرض سورية غير قابلة للبيع أو التأجير ليس مجرد خطاب عاطفي أو موقف سياسي ظرفي، بل هو مبدأ وطني ثابت، يستند إلى التاريخ، ويؤكده القانون الدولي، وتحميه إرادة الشعب. فقرارات الأمم المتحدة، وعلى رأسها القرار 497، تنص بوضوح على بطلان أي إجراء يهدف إلى تغيير الوضع القانوني للجولان، وتعتبره أرضًا سورية محتلة. لكن الأهم من كل القرارات، هو موقف الشعب السوري الذي لم يتخلَّ يومًا عن حقه، ولم يقبل يومًا بمنطق التنازل.الوطن ليس ملكًا لفرد، ولا ورقة بيد سلطة، ولا إرثًا يمكن التفريط به أو توريثه. الوطن أمانة في أعناق الأجيال، والأرض التي رُويت بدماء الشهداء لا تُقاس بثمن، ولا تُمنح بتوقيع، ولا تُسلب بقرار. ولهذا، فإن أي حديث عن بيع الجولان، أو تأجيره، أو الاعتراف بضمّه، هو حديث باطل، مرفوض وطنيًا وأخلاقيًا وقانونيًا، لأنه يتناقض مع أبسط معاني الانتماء والسيادة.

لقد أثبت أبناء الجولان، عبر عقود طويلة من الصمود، أن الهوية لا تُفرَض بالقوة، وأن الانتماء لا يُمحى بالاحتلال. رفضوا الجنسية المفروضة، وتمسّكوا بأرضهم ولغتهم وثقافتهم، وواجهوا القمع والحصار والاعتقال، لكنهم لم ينكسروا. كانوا وما زالوا خط الدفاع الأول عن عروبة الجولان وسوريته، وشهادتهم الحية أقوى من كل الادعاءات الزائفة.

إن الجولان ليس مجرد قضية حدود، بل قضية كرامة وطنية وسيادة قومية. هو اختبار حقيقي لموقف الأمة من حقوقها، ولمدى استعدادها للدفاع عن أرضها. فالتفريط بالجولان يعني فتح الباب أمام التفريط بكل شبر من الأرض العربية، ويعني القبول بمنطق القوة بدل منطق الحق، وهو ما لا يمكن القبول به تحت أي ذريعة أو مبرر.

التاريخ علّمنا أن الاحتلال إلى زوال، مهما بدا قويًا، وأن الحقوق لا تموت ما دام وراءها مطالب. قد يطول الزمن، وقد تتبدل موازين القوى، لكن الأرض تعرف أصحابها، ولا تخون ذاكرتها. والجولان، الذي شهد تعاقب الحضارات، سيشهد يومًا عودته إلى حضن الوطن، لأن الأرض لا تنسى أبناءها، ولأن الشعوب التي تؤمن بحقها لا تُهزم.

إن الجولان اليوم ليس مجرد أرض محتلة، بل قضية حية في وجدان السوريين، ورمز لوحدة التراب الوطني، ودليل على أن السيادة لا تتجزأ. فلا سلام حقيقي دون استعادة الأرض، ولا عدالة دون إنهاء الاحتلال، ولا مستقبل يُبنى على التنازل عن الحقوق الثابتة.

وسيظل الجولان السوري عنوانًا للصمود، وشاهدًا على أن الوطن لا يُباع ولا يُؤجَّر ولا يُساوَم، وأن الأرض التي اغتُصبت ستعود، مهما طال الاحتلال، ومهما اشتدّ العدوان. فالقوة قد تفرض أمرًا واقعًا مؤقتًا، لكنها لا تستطيع أن تغيّر التاريخ ولا أن تلغي الحق.الجولان سوري… كان، وسيبقى، وسيعود.