
بقلم: محمد خليفه
قراءة في المشروعية والضرورةمع صدور الإعلان الدستوري لعام 2025 في سورية، دخلت البلاد مرحلة انتقالية دقيقة تتطلب وضوحاً في توزيع الصلاحيات بين السلطات العامة. إلا أن التطبيق العملي كشف عن ثغرة جوهرية تتعلق بعدم النص صراحةً على صلاحية إصدار مراسيم تشريعية في حالات تستوجب سرعة التدخل التشريعي.
هذه المسألة تثير تساؤلاً مركزياً: هل يمكن للسلطة التنفيذية إصدار نصوص ذات قوة القانون دون سند دستوري صريح؟ أم أن ذلك يُعد خروجاً على مبدأ المشروعية؟من الثابت في الفقه الدستوري أن مبدأ تدرّج القواعد القانونية يضع الإعلان الدستوري في قمة الهرم التشريعي، يليه القانون، ثم المراسيم واللوائح.
وبناءً عليه، لا يجوز لأي سلطة أن تستمد اختصاصاً لم يمنحه لها النص الأعلى. فاختصاصات السلطة التنفيذية، مهما اتسعت، تبقى محدودة بإطار الدستور.غير أن الواقع العملي قد يفرض ظروفاً استثنائية، كحالات الفراغ التشريعي أو الأزمات الاقتصادية أو الأمنية، تجعل من الانتظار التشريعي التقليدي أمراً متعذراً.
هنا يبرز مفهوم "نظرية الضرورة" في الفقه الدستوري، والتي تجيز اتخاذ تدابير استثنائية لحماية كيان الدولة، شريطة أن تكون مؤقتة ومتناسبة وخاضعة للرقابة.لكن الاعتماد على الضرورة دون تنظيم صريح يحمل مخاطر جدية، أهمها:إضعاف مبدأ الفصل بين السلطات.فتح الباب لاجتهادات غير منضبطة.احتمال الطعن بعدم الدستورية مستقبلاً.اهتزاز الثقة بالمشروعية القانونية.من هنا، فإن الحل لا يكمن في التوسع في التفسير، بل في تقنين المسألة دستورياً.
ويمكن اقتراح ثلاثة مسارات متكاملة:
أولاً: إدخال تعديل على الإعلان الدستوري يجيز إصدار مراسيم تشريعية في حالات محددة بدقة، مع اشتراط عرضها على سلطة تشريعية خلال مدة زمنية معينة.
ثانياً: إصدار قانون تفويض مؤقت من هيئة تشريعية قائمة، يحدد نطاق الصلاحية وموضوعاتها ومدتها.
ثالثاً: إخضاع أي مرسوم تشريعي لرقابة قضائية دستورية لاحقة لضمان عدم تجاوزه الحدود المرسومة.إن الدولة القانونية لا تُقاس بقدرتها على إصدار النصوص بسرعة فحسب، بل بمدى احترامها لضوابط المشروعية.
وإذا كانت المرحلة الانتقالية تفرض حلولاً استثنائية، فإن هذه الحلول يجب أن تُحاط بسياج دستوري واضح يحفظ التوازن بين الفعالية والشرعية.إن معالجة هذه الثغرة في الإعلان الدستوري 2025 ليست مجرد تفصيل تقني، بل خطوة ضرورية لترسيخ دولة المؤسسات والقانون في سورية، ومنع تحول الاستثناء إلى قاعدة دائم