
بقلم: محمد الخليفة
أرقام ضخمة بين الوعود وواقع التنفيذ في عامي 2025 و2026 برزت في سوريا موجة واسعة من حملات التبرعات المحلية التي استهدفت دعم إعادة الإعمار وتحسين الخدمات الأساسية في عدد من المحافظات.
جاءت هذه المبادرات في سياق بلد أنهكته سنوات الحرب، وتراجعت فيه البنية التحتية والخدمات العامة إلى مستويات حرجة، ما جعل أي تحرك مجتمعي واسع يحمل طابعاً إنقاذياً وأملاً بإمكانية التعافي التدريجي.
منذ اللحظة الأولى، لفتت هذه الحملات الأنظار بسبب الأرقام الكبيرة التي أُعلن عنها. فقد تحدثت تقارير إعلامية عن أن إجمالي ما جُمع أو أُعلن عنه من تعهدات في عدة محافظات تجاوز 1.0635 مليار دولار حتى نهاية عام 2025. رقم كهذا، في ظل الوضع الاقتصادي الصعب، بدا لافتاً ومؤشراً على تعبئة اجتماعية واسعة، سواء من رجال أعمال محليين أو من مغتربين سوريين أرادوا المساهمة في إعادة بناء مناطقهم.
أرقام بارزة في عدة محافظات في محافظة حلب، التي كانت من أكثر المدن تضرراً خلال سنوات الحرب، تصدّرت حملة “حلب ست الكل” المشهد بإعلانها جمع أكثر من 426 مليون دولار، لتصبح الأكبر بين الحملات المحلية من حيث الرقم المعلن. كما أُعلن عن حملة أخرى بعنوان “Aleppo reconstruction” تحدثت عن مساهمة إضافية تقارب 150 مليون دولار مخصصة لدعم مشاريع البنية التحتية.
هذه الأرقام وضعت حلب في صدارة المحافظات من حيث حجم التعهدات.في حماة، أعلنت حملة “فداء لحماه” تجاوز 210 ملايين دولار، بينما في إدلب أعلنت حملة “الوفاء لإدلب” جمع أكثر من 208 ملايين دولار. أما في درعا، فقد جمعت حملة “أبشري حوران” أكثر من 37 مليون دولار وجرى الحديث عن تخصيصها لمشاريع تنموية محلية. وفي دير الزور، أعلنت حملة “دير العز” عن جمع نحو 26 مليون دولار، في حين شهد ريف دمشق حملة بعنوان “Our Countryside Deserves Better” قيل إنها جمعت حوالي 72 مليون دولار خلال ساعات قليلة من إطلاقها.
هذه الأرقام عكست حماسة أولية كبيرة، ورسخت شعوراً عاماً بأن هناك إمكانية لإطلاق مشاريع ملموسة في قطاعات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم والطرقات. غير أن هذا التفاؤل لم يخلُ من علامات استفهام لاحقاً، خصوصاً مع بطء ظهور نتائج واضحة على الأرض في بعض المناطق. الفجوة بين التعهدات والتحصيل الفعليأحد أهم التفسيرات لبطء التنفيذ يتمثل في الفارق بين “التعهد” و“التحويل الفعلي”. في العديد من حفلات إطلاق الحملات، جرى الإعلان عن مبالغ ضخمة على أنها مساهمات مؤكدة، بينما كانت في الواقع تعهدات من متبرعين كبار — أي وعود بدفع المبلغ في وقت لاحق.
هذا الفرق قد لا يكون واضحاً للرأي العام، لكنه جوهري في تحديد قدرة الحملة على البدء الفوري بالمشاريع.تداول ناشطون وتقارير غير رسمية تقديرات تشير إلى أن نسبة كبيرة من المتعهدين لم يسددوا كامل مبالغهم في المواعيد المعلنة، ما أدى إلى تأخر في تنفيذ المشاريع. ومع أن التعهدات تُحسب ضمن إجمالي المبلغ المعلن، إلا أن التنفيذ الفعلي يعتمد حصراً على الأموال التي دخلت الحسابات المخصصة وصارت قابلة للصرف.تعقيدات إدارية وماليةحتى في الحالات التي وصلت فيها الأموال، لا يعني ذلك أن التنفيذ يبدأ فوراً.
فهناك إجراءات إدارية وقانونية ومحاسبية يجب استكمالها، خاصة إذا كانت الأموال تمر عبر قنوات رسمية أو تحتاج إلى موافقات متعددة. عمليات التدقيق والتحقق من مصدر الأموال، وتحديد آليات الصرف، وإعداد الدراسات الفنية للمشاريع، كلها خطوات تستغرق وقتاً. في بيئة اقتصادية معقدة تعاني من تقلبات سعر الصرف، وصعوبات التحويلات المالية، وضعف البنية المصرفية، قد تتضاعف هذه التحديات.
وهنا يتشكل انطباع عام بأن الحملة “توقفت”، بينما هي عملياً عالقة في مرحلة إجرائية طويلة.اقتصاد منهك واحتياجات هائلةلا يمكن فصل هذه الحملات عن السياق الاقتصادي العام في سوريا. فالتقديرات المتعلقة بإعادة الإعمار تشير إلى أرقام ضخمة تُقاس بعشرات، بل مئات، المليارات من الدولارات. مقارنة بهذا الحجم، تبدو المبالغ التي جُمعت — حتى لو تحققت بالكامل — محدودة نسبياً.فإعادة تأهيل شبكة كهرباء واحدة أو محطة مياه رئيسية قد تتطلب عشرات الملايين من الدولارات، ناهيك عن إعادة بناء أحياء سكنية كاملة أو ترميم مستشفيات ومدارس.
لذلك، حتى الحملات التي أعلنت مئات الملايين قد تجد نفسها أمام قائمة احتياجات تتجاوز قدرتها التمويلية، ما يفرض عليها اختيار أولويات ضيقة وتأجيل مشاريع أخرى. سؤال الشفافية من أبرز النقاط التي أثارت نقاشاً في الشارع السوري مسألة الشفافية. فالكثير من الحملات أعلنت أرقاماً كبيرة في البداية، لكن قلة منها نشرت لاحقاً تقارير مفصلة توضح:
كم تم تحصيله فعلياً من التعهدات؟
ما هي المشاريع التي بدأت؟
ما نسب الإنجاز؟
كيف تم اختيار الأولويات؟
غياب التحديثات الدورية خلق فراغاً معلوماتياً ملأته التكهنات والشائعات. وفي ظل تراجع الثقة بالمؤسسات عموماً بعد سنوات من الأزمات، يصبح نشر البيانات التفصيلية عاملاً أساسياً للحفاظ على مصداقية أي مبادرة.
لماذا خفتت التغطية الإعلامية؟
التغطية الإعلامية لأي حملة تكون في ذروتها عند الإطلاق: حفلات، تصريحات، أرقام لافتة، وصور رمزية. لكن بعد انتهاء مرحلة الإعلان، تدخل الحملة في مسار إداري وفني أقل جاذبية إعلامياً. التركيز يتحول إلى إعداد دفاتر الشروط، توقيع العقود، ومتابعة التنفيذ الميداني، وهي تفاصيل لا تحظى عادة بالاهتمام ذاته.كما أن بعض وسائل الإعلام تنتقل سريعاً إلى قضايا أخرى أكثر آنية، ما يجعل الحملة تبدو وكأنها اختفت من المشهد، رغم أنها قد تكون مستمرة بوتيرة هادئة.
بين التفاؤل والحذررغم كل هذه التحديات، لا يمكن إنكار أن حملات التبرعات حملت بُعداً إيجابياً مهماً. فهي عكست رغبة قطاعات واسعة من السوريين في المشاركة بتحمل مسؤولية إعادة البناء، وأظهرت استعداداً لتقديم مساهمات مالية كبيرة رغم الظروف الاقتصادية الصعبة.لكن في المقابل، كشفت التجربة أن الحماسة وحدها لا تكفي. فنجاح أي حملة بهذا الحجم يتطلب منظومة واضحة من الحوكمة والرقابة والتخطيط طويل الأمد.
المطلوب ليس فقط جمع الأموال، بل تحويلها إلى مشاريع ملموسة يشعر المواطن بنتائجها في حياته اليومية.
يمكن القول إن حملات التبرعات في المحافظات السورية بين 2025 و2026 مثلت ظاهرة لافتة في المشهد المحلي. الأرقام المُعلنة — التي تجاوزت المليار دولار — عكست طاقة تضامنية كبيرة، لكن الطريق من التعهد إلى الإنجاز الفعلي أثبت أنه أطول وأكثر تعقيداً مما توقعه كثيرون.الفجوة بين الإعلان والتحصيل، التعقيدات الإدارية، ضخامة الاحتياجات، وضعف الشفافية المنتظمة، كلها عوامل ساهمت في تباطؤ التنفيذ أو في خلق انطباع عام بالتوقف.
ومع ذلك، تبقى هذه المبادرات خطوة مهمة يمكن البناء عليها مستقبلاً، شريطة تعزيز الشفافية، نشر تقارير دورية، ووضع آليات رقابة واضحة تضمن أن كل دولار يُجمع يتحول إلى مشروع حقيقي يخدم الناس.في نهاية المطاف، إعادة الإعمار ليست مجرد أرقام تُعلن في المؤتمرات، بل عملية طويلة تتطلب ثقة، إدارة فعالة، ومشاركة مجتمعية مستمرة. وإذا تمكنت الحملات القادمة من الاستفادة من دروس التجربة الحالية، فقد تتحول من موجة حماس مؤقتة إلى نموذج مستدام لدعم التعافي المحلي.