
بقلم : محمد خليفه
صلاحيات رئيس الجمهورية بموجب الأعلان الدستوري
هل هنالك تجاوز ؟
في ظل المرحلة الانتقالية التي تمر بها سوريا منذ صدور الإعلان الدستوري في 13 آذار/مارس 2025، عاد النقاش القانوني والسياسي ليتصدر المشهد، وخصوصاً بشأن حدود صلاحيات رئيس المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، ولا سيما في ما يتعلق بإمكانية إصدار عفو عام.
فالعفو العام ليس إجراءً إدارياً عادياً، بل قرار سيادي بالغ الأثر، يمس جوهر العدالة الجنائية، وحقوق الضحايا، وفلسفة المحاسبة، كما يترك انعكاسات مباشرة على مسار المصالحة الوطنية وإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع في مرحلة دقيقة من تاريخ البلاد.
العفو العام: المفهوم القانوني والدلالة السياسية من منظور دستوري، يُعد العفو العام تشريعاً يؤدي إلى إسقاط الصفة الجرمية عن أفعال ارتُكبت قبل صدوره، أو إلى إسقاط العقوبة كلياً أو جزئياً عن مرتكبيها، وهو يختلف جوهرياً عن العفو الخاص الذي يُمنح لأشخاص محددين بعد صدور أحكام قضائية بحقهم.
وغالباً ما يُستخدم العفو العام في المراحل الانتقالية التي تعقب نزاعات داخلية أو تحولات سياسية كبرى، بوصفه أداة لإعادة دمج فئات اجتماعية في الحياة العامة، أو كمدخل لفتح صفحة جديدة في سياق المصالحة الوطنية. إلا أن هذه الأداة تبقى شديدة الحساسية، إذ قد يُنظر إليها على أنها انتقاص من مبدأ المحاسبة أو تجاهل لحقوق الضحايا، أو حتى تكريس لحالة الإفلات من العقاب إذا أسيء استخدامها.الإعلان الدستوري لعام 2025 وطبيعة السلطة الانتقالية شكّل الإعلان الدستوري الصادر في 13 آذار/مارس 2025 المرجعية القانونية العليا المؤقتة لإدارة الدولة خلال مرحلة انتقالية تمتد لخمس سنوات.
وقد منح هذا الإعلان رئيس الجمهورية الانتقالي صلاحيات واسعة، تنفيذية وتشريعية، في ظل غياب مؤسسات دستورية مكتملة، ولا سيما سلطة تشريعية منتخبة .وبموجب الإعلان، يتولى الرئيس السلطة التنفيذية، ويملك صلاحية إصدار مراسيم لها قوة القانون، إلى حين استكمال بناء السلطة التشريعية. كما خُوّل إدارة الشؤون العليا للدولة، وإعادة تشكيل هيئات دستورية وقضائية، بما يحقق متطلبات الاستقرار وإعادة البناء.هذا الطابع الاستثنائي يجعل من موقع الرئيس خلال المرحلة الانتقالية مختلفاً جذرياً عن موقعه في ظل دستور دائم قائم على فصل صارم بين السلطات، إذ تتسم صلاحياته بالاتساع من حيث النطاق، وإن كانت مؤقتة من حيث الزمن.
هل تشمل هذه الصلاحيات إصدار عفو عام؟للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من التمييز بين حالتين أساسيتين:
الحالة الأولى: إذا تضمّن الإعلان الدستوري نصاً صريحاً يمنح الرئيس حق إصدار العفو العام، فإن الصلاحية تكون واضحة من الناحية الشكلية ولا تثير إشكالاً قانونياً.
الحالة الثانية: إذا لم يرد نص صريح، لكن مُنح الرئيس حق إصدار مراسيم لها قوة القانون، فإن العفو العام يصبح ممكناً من الناحية الدستورية، لأن العفو العام بطبيعته عمل تشريعي، وليس مجرد إجراء تنفيذي .
وبالاستناد إلى طبيعة الإعلان الدستوري لعام 2025، الذي منح رئيس المرحلة الانتقالية صلاحيات تشريعية واسعة، يرى الفقه الدستوري المقارن أن ذلك يتيح له إصدار قانون عفو عام، طالما لا يوجد نص يمنع ذلك صراحة، وطالما احترم القيود الدستورية والالتزامات الدولية للدولة. القيود القانونية على سلطة العفورغم اتساع الصلاحيات، فإن إصدار عفو عام لا يُعد سلطة مطلقة، بل تحكمه مجموعة من القيود الجوهرية
:أولاً: الجرائم الجسيمة يمنع القانون الدولي شمول جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الإبادة الجماعية بعفو يؤدي إلى إفلات مرتكبيها من المساءلة. وقد كرّست المحاكم الدولية ومبادئ العدالة الانتقالية هذا المبدأ باعتباره التزاماً لا يجوز التراجع عنه
.ثانياً: حقوق الضحايا أي عفو عام يتجاهل حق الضحايا في معرفة الحقيقة أو في التعويض وجبر الضرر قد يفتقر إلى الشرعية المجتمعية، ويُقابل برفض واسع. لذلك، غالباً ما يُشترط أن يترافق العفو مع آليات للعدالة الانتقالية، مثل لجان الحقيقة أو برامج التعويض
.ثالثاً: الرقابة القضائية حتى في ظل نظام انتقالي، قد يخضع مرسوم العفو لرقابة قضائية أو دستورية، إذا طُعن فيه لمخالفته الإعلان الدستوري أو الالتزامات الدولية.البعد السياسي للعفو العام بعيداً عن النصوص القانونية، يحمل العفو العام أبعاداً سياسية عميقة في السياق السوري. فمن جهة، قد يُنظر إليه كخطوة نحو المصالحة الوطنية وتهدئة الانقسامات، خاصة إذا اقتصر على الجرائم غير الجسيمة أو ذات الطابع السياسي.
ومن جهة أخرى، قد يُثير اعتراضات من قوى مدنية ومنظمات حقوقية ترى فيه تنازلاً عن مبدأ المحاسبة أو معالجة شكلية لملفات معقدة. وبذلك، لا يقتصر السؤال على امتلاك الصلاحية القانونية فحسب، بل يمتد إلى كيفية استخدامها، والغاية منها، والحدود التي تُرسم لها.
دروس من تجارب انتقالية مقارنة تُظهر التجارب الدولية أن العفو العام كان في كثير من الأحيان جزءاً من تسويات سياسية أوسع. ففي بعض الحالات، رُبط العفو بشروط مثل الاعتراف بالحقيقة أو التخلي عن العنف، بينما أدى العفو غير المشروط في حالات أخرى إلى انتقادات حادة وإلى إعادة إنتاج أنماط الإفلات من العقاب.
وهذا يؤكد أن العفو العام ليس مجرد أداة قانونية، بل خيار سياسي استراتيجي، قد يساهم في الاستقرار إذا أُحسن تصميمه، أو يفاقم الانقسام إذا فُرض دون توافق أو ضمانات. خلاصة من الناحية الدستورية البحتة، وبالاستناد إلى الصلاحيات الواسعة التي منحها الإعلان الدستوري لعام 2025 لرئيس المرحلة الانتقالية، يمكن القول إن إصدار عفو عام عبر مرسوم تشريعي يقع، من حيث المبدأ، ضمن نطاق صلاحيات الرئيس، ما لم يوجد نص صريح يمنع ذلك. غير أن هذه الصلاحية تبقى مشروطة باحترام الالتزامات الدولية، ومراعاة حقوق الضحايا، والانسجام مع مبادئ العدالة الانتقالية، وتجنب توظيف العفو كأداة سياسية ضيقة.
خاتمة في المحصلة، نعم، يملك رئيس المرحلة الانتقالية من حيث المبدأ صلاحية إصدار عفو عام. لكن نجاح هذا القرار وشرعيته لا يُقاسان فقط بنصوص الإعلان الدستوري، بل بمدى انسجامه مع تطلعات المجتمع السوري، وبالرسالة التي يبعث بها في ما يتعلق بالعدالة والمحاسبة والمصالحة.فالعفو العام قد يشكّل جسراً نحو الاستقرار وبناء الثقة، وقد يتحول، إن أسيء استخدامه، إلى مصدر انقسام جديد. وبين هذين المسارين، يبقى حسن التقدير السياسي والالتزام بالعدالة هما العامل الحاسم في رسم ملامح المرحلة المقبلة.